سياسة وتاريخ

معركة أنقرة 1402- الحرب العثمانية

هناك ميل لإظهار توسع الإمبراطورية الإسلامية

كزحف مستمر تجاه الشرق والغرب، لكنها كانت تعج أيضاً

بالإقتتال الداخلي داخل الأراضي الإسلامية بجانب الحركات التوسعية.

فقد نشبت العديد من الحروب الطاحنة بين الدول الإسلامية، ولكن لم يكن هناك معركة

أكثر أهمية من حيث عدد المشاركين والآثار التاريخية

من معركة أنقرة (1402) بين السلطان بايزيد الأول وتيمورلنك.

ففي عام 1396 هزم السلطان العثماني بايزيد الأول

التحالف الأوروبي الصليبي الذي كان يقوده الملك البروغندي خوان حاكم نفر

وملك المجر سيغيسموند الأول في معركة نيكوبوليس.

في محاولة يبدوا أنها كانت لوقف بايزيد من فتح القسطنطينية

أو غزو وسط أوروبا، ومع ذلك أدرك السلطان أنه على وشك

مواجهة تهديد من الشرق، فبعد أن خفت نجم المغول في

القرن الرابع عشر عندما فقدت سلالة يوان حكم الصين، عانت الدولة الإيلخانية التي كانت تحكم

إيران والقوقاز وأجزاء من العراق وانقسمت إلى عدد من

السلالات الحاكمة والقبيلة الذهبية كانت تسيطر على روسيا الحالية

من الركود، وكان يعج وسط آسيا بالفوضى نتيجة التفكك السريع لخانات جاغاطاي

وتنافس أمراء الحرب في شن الحروب، ومن بينهم كان تيمولنك

الذي وُلِد عام 1336 في قبيلة بارلس التي تم تتريكها،

احترف قطع الطريق لوقت قصير ولكنه كان مقاتلا قديرا في شبابه، وبحلول عام 1358

أصبح زعيماً لقبيلته، وخلال هذه الفترة أُصيب تيمور بإصابة جعلته أعرجا في إحدى قدميه

مما أكسبه لقبه لنك أي الأعرج أو البطئ في الفارسية، ,أصبح

معروفاً لدى الغرب باسم (Tamerlane )، وبحلول عام 1370 أصبحت أغلب أراضي آسيا الوسطى تحت حكمه

وبدأ التخطيط للغزو.

وفي عام 1378 ساعد تمور توختاميش في اعتلاء عرش القبيلة الذهبية.

واستمر تيمور في غزوه لباقي أجزاء آسيا الوسطى وفي عام1381

بدأ غزو إيران التي احتلها عام 1386، وخلال الثلاث سنوات القادمة

استطاع السيطرة على أغلب القوقاز. وكانت غزوات تيمور قائمة على الرعب

فأي مدينة تحاول المقاومة يحولها إلى رماد ويُبيد سكانها

أو يستعبدهم، وكان يجعل من الجماجم بروجاً لمنع أي شكل من أشكال التحدي.

وبالسيطرة على القوقاز أصبح ملاصقاً

للقبيلة الذهبية مما يعني أن الدخول في صراع مع توختاميش أمراً لا مناص منه، وبين عامي 1391 و 1395

هُزِم توختاميش مرتين وفقد مملكته، وفي الوقت ذاته كان الموقف في الغرب

يتغير بسرعة ، فقد استطاع السلطان العثماني السيطرة على أمارة تركية صغيرة

وبين عامي 1398 و 1399 لجأ حكام هذه الأراضي إالى بلاط تيمور.

بينما وجد عدد من زعماء إيران والعراق الذين خلعهم تيمور اللجوء

في العاصمة العثمانية. وأصبحت أراضي بايزيد وتيمور متلاصقة.

ولم يرغب تيمور في شن حرب ضد

قوة اسلامية عظمى مشابهة له، لذا بدأت مراسلات طويلة بين الزعيمين.

ويقول تيمور في أحد خطاباته: كن حكيما وتب واحذر عقابنا

فأنت مجرد نملة لذا لا تستفز الأفيال

وإلا دهستك، فرد عليه بايزيد: إن هربتُ من جيوشك

فستطلقني زوجاتي ولكن إن تجرأت أنت وهربت من جيوشي فستصبح زوجاتك لرجل آخر.

ولم تؤد هذه الحرب الكلامية إلى شئ، فانتقل تيمور إلى الغرب مرة أخرى

وغزا كلاً من أرمينيا وجورجيا عام 1400 وأباد الآلاف .

وكان تيمور قلقاً من أن تتحالف دولة المماليك في سوريا ومصر

مع العثمانيين، لذا عمل في السنتين التاليتين على عزل كلاً من دمشق

وحلب ليسيطر على الطريق الواصل بين الإمبراطوريتين. وبحلول نهاية عام

1401 سيطر تيمور على مدينة سيواس واتخذها قاعدة له.

لتبدأ بهذا الحرب، وعندما حاصر تيمور أنقرة

رفع بايزيد حصاره المفروض على القسطنطينية ونقل قواته إلى الأناضول ووصل أنقرة في يونيو 1402،

فانسحب تيمور لسحب بايزيد من موقعه الحصين،

وعلم السلطان العثماني أن قوات تيمور ستهاجم الأراضي في الشرق،

مما اضطره إلى الإبقاء على حامية صغيرة والزحف بقواته

نحو العدو، وقطع العثمانيون الطريق بين سيواس وتوقاد على ظهور الخيل،

فقد أراد بايزيد استغلال الغابات الكثيفة في المنطقة

لإعاقة الرماة الفرسان في جيش تيمور،

وتعني هذه المناورة أن تيمور لسيضطر للقتال أيضاً في موقع غير ملائم

لقوة قواته أو ينسحب من الأناضول. ومع ذلك اختار تيمور خياراً ثالثاً،

فاختفى بجيشه الجرار ولم يستطع الكشافة العثمانيون إيجادهم.

فتوجه تيمور نحو الجنوب الغربي وسيطر على قيصرية، بينما كان بايزيد لا يزال متأكداً من أنه

سيجد العدو في الشمال، وأكمل تيمور زحفه نحو أنقرة

ووصل إلي موقع خلف القوات العثمانية، ولم يعلم السلطان بهذه المناورة البارعة،

بعد حصار أنقرة، ولم يرغب بايزيد في السماح

لتيمور بنهب أراضيه لذا لم يكن له خيار آخر سوى الزحف بسرعة بقواته

المتعبة نحو أنقرة، ونشبت معركة أنقرة

في الثامن والعشرين من شهر يونيو 1402،

وكان جيش تيمور مغولياً تقليدياً

به عدد ضخم من الرماة الفرسان بالإضافة إلى عشرات الأفيال المدرعة

الذين أُسروا خلال غزو الهند، بينما كان الجيش العثماني

خليطاً من القوات السلجوقية القديمة الغير نظامية والمرتزقة التتار وعدد صغير

من الوحدات المحترفة التي أنشأها السلطان السابق وعدد من الفرسان من أوروبا الشرقية

تحت قيادة الحاكم الصربي التابع لبايازيد ستيفان لازاريفيتش، وفي بداية الحملة

كان لدى كلاً من تيمور وبايزيد عدداً مماثلاً من الجنود يتجاوز المائة ألف مقاتل

لكن يقال أن السلطان العثماني فقد ما لا يقل عن عشرين ألف جندي

خلال الزحف السريع من سيواس لأنقرة

وقسم تيمور رماته الفرسان إلى أربع مجموعات واحدة في القلب

واثنتين في الأجنحة وواحدة في الإحتياط بينما كانت الأفيال متمركزة في المقدمة،

بينما كان جيش بايزيد قوياً في القلب مع وجود الرماة في المقدمة والإنكشاريين

في الصف الثاني ووضع الفرسان السباهية في الإحتياط، بينما كان الفرسان الصربيين التابعين للحاكم ستيفان في الميسرة

أما ميمنة الجيش فكانت من قوات الأناضول

والمرتزقة التتار، وكان بايزيد يأمل أن تصمد أجنحته

في مركزها الدفاعي ليكون قادراً على الهجوم المرتد من القلب بقلب جيشه،

وتتضارب الروايات حول المعركة لذا سنستعرض

أكثر الروايات قبولاً لدينا، بدأ تيمور بتقديم أجنحته للأمام

بينما أبقى على القلب في المؤخرة، وبدأت المعركة في الجناح الأيسر للعثمانيين

وهاجم فرسان تيمور الجنود الصرب لكنهم استطاعوا إيقافهم

وألحقوا بهم إصابات بالغة، ثم عاودوا الكرة على الصرب

لكنهم حاولوا تطويقهم هذه المرة لكن فرسان ستيفان

صمدوا في أماكنهم، وفي هذا الوقت هاجم جناح تيمور الأيسر الجناح الأيمن للعثمانيين

الذي اكن على رأسه الأمير سليمان، وأرسل تيمور قلب جيشه للأمام لتقييد القوات الإنكشارية،

لكن حدث شئ لم يكن متوقعاً في الجناح الأيمن لجيش بايزيد

فقد انخذل المرتزقة التتار والبالغ عددهم ثمانية عشر ألف مقاتل

وانضموا لهجوم تيمور على ميمنة العثمانيين، وأُحيط بسليمان

مما اضطر بايزيد لإرسال قوات الإحتياط للنجدة، وفي الجناح الأيسر

هوجمت الوحدات الصربية بعدد أكبر من الأعداء لكن على الرغم من زيادة

الخسائر بينهم فقد استطاعوا إيقافهم، وتزعم مصادر أن ستيفان أرسل رسولاً

إلى السلطان يقترح عليه الإنسحاب ما دام ممكناً لكن بايزيد رفض الإنسحاب.

في هذا الوقت أمر الأمير سليمان بالإنسحاب

لإنقاذ حياته، بينما أُمِر ستيفان بتدعيم الجناح بجزء من قواته

لتغطية انسحاب الباقين،

ثم أرسل تيمور قوات إحتياطه للقيام بمناورة عميقة للأجنحة،

وتجاوز جيش تيمور جناحي الجيش العثماني الأيمين والأيسر، لكن القوات الصربية

استطاعت استغلال ميزتها الموجودة في الدروع لكسر الطوق

وانضمت لسليمان في انسحابه، أما باقي قلب الجيش العثماني

فقد دُفِع ببطئ نحو تل يُعرف باسم كاتلتبي، ويُقال أن بايزيد

وقواته الإنكشارية والسباهية كانوا قادرين على صد

العدو لساعات وبالرغم من التفوق العددي الكبير للعدو ، استطاع السلطان

كسر الطوق مع حرسه لكن سهماً قتل فرسه

ولأول مرة في التاريخ يقع سلطان عثماني في الأسر، وبالرغم من خسارة كلا الجيشين

عدداً كبيراً من المحاربين ألا إنه كان نصراً حاسماً لتيمور،

وتتضارب النظريات حول ما حدث بعد وقوعه في الأسر

لكن على أي حال قد مات بايزيد بعد شهور قليلة، وفي 1404 غزا تيمور

الصين لكنه مات في مطلع عام 1405، وبدأ بعدها العثمانيون فترة طويلة

من الحرب الداخلية بين أبناء بايزيد لكن هذه الأحداث

ومصير ستيفان والتيموريين والبيزنطيين ومعارك فارنا وكوسوفو

سنتحدث عنها في الحلقة القادمة، شكراً لمشاهدة هذا الفيديو الوثائقي

عن معركة أنقرة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق